فصل: 271- هل يقدر على خلق جواهر لا أعراض فيها؟

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين (نسخة منقحة)



.268- هل يجمع الله بين العلم والقدرة والموت؟

واختلفوا: هل يقدر الله-عز وجل- أن يجمع بين العلم والقدرة والموت وكذلك بين الإرادة والموت أم لا؟
1- فقال أكثر أهل الكلام: يستحيل أن يجمع الله- سبحانه- بين القدرة والعلم والإرادة والموت كما يستحيل أن يجمع بين الحياة والموت وهذا قول أبي الهذيل ومعمر وهشام وبشر بن المعتمر وسائر المعتزلة.

.269- هل يجوز أن يفرد الله الحياة من القدرة؟

واختلف هؤلاء: هل يجوز أن يفرد الله الحياة من القدرة أم لا؟
1- فأجاز ذلك أبو الهذيل.
2- وأنكره عباد.
3- وقال صالح وأبو الحسين المعروف بالصالحي: إن الله- سبحانه- قادر على أن يجمع بين العلم والقدرة والموت كما جمع بين الحياة والجهل والعجز والكراهة لأنه إذا جامع عرض من الأعراض جاز أن يجامع ضده ضد ذلك العرض وما ضاد عرضًا من الأعراض ضاد ضده ضد ذلك العرض فلو كان العلم يضاد الموت لكانت الحياة تضاد الجهل ولو كانت القدرة والإرادة تضادان الموت لكانت الكراهة والعجز يضادان الحياة فلما جاز كون الجهل والعجز والكراهة مع الحياة جاز كون العلم والقدرة والإرادة مع الموت وأحالوا أن يوصف البارئ بالقدرة على أن يجمع بين الحياة والموت وجوزوا القدرة على أن يفرد الله- سبحانه- الحياة من القدرة.
4- وثبت أبو الحسين وأبو الهذيل ومن ذهب إلى قول قدرة الله- سبحانه- على خلق الإدراك مع العمى فزعم أبو الهذيل أن الإدراك هو علم القلب وزعم الصالحي أن الإدراك مع العمى يجوز أن يحلا في موضع واحد لأن العمى لو ضاد الإدراك لضاد البصر الذي هو ضد العمى.
وأنكر هذا سائر المعتزلة.
ووصفا ربهما بالقدرة على أن يجمع بين القطن والنار ولا يقع إحراق وبين الحجر على ثقله والجو على رقته ولا يفعل هبوطًا.
وأنكر ذلك قوم آخرون:
5- فأما محمد بن عبد الوهاب الجبائي فإنه لا يصف ربه بالقدرة على أن يخلق الإدراك مع العمى لأن العمى عنده ضد الإدراك ويصف ربه بالقدرة على أن يجمع بين النار والقطن ولا يخلق إحراقًا وأن يسكن الحجر في الجو فيكون ساكنًا لا على عمد من تحته وإذا جمع بين النار والقطن فعل ما ينفي الإحراق وسكن النار فلم تدخل بين أجزاء القطن فلم يوجد إحراق.
6- وكان صالح وأبو الحسين يصفان الله-عز وجل- بالقدرة على أن يجمع بين البصر الصحيح والمرئي ويرفع الآفات ولا يخلق إدراكًا وأن يكون الفيل بحضرة الإنسان والذرة بالبعد منه وهو مقابل لهما فيخلق فيه إدراكًا للذرة ولا يخلق إدراكًا للفيل.
ويجوزان أن يخلق الله- سبحانه- جوهرًا لا أعراض فيه ويرفع الأعراض من الجواهر فتكون لا متحركة ولا ساكنة ولا مجتمعة ولا متفرقة ولا حارة ولا باردة ولا رطبة ولا يابسة ولا ملونة ولا مطعمة ولا قابلة لشيء من الأعراض.
7- وأحال ذلك عامة أهل النظر لأنه محال عند كثير من أهل الصلاة أن يوجد الجوهر متعريًا من الأعراض فأما الجمع بين البصر الصحيح والمرئي مع ارتفاع الآفات ولا يخلق إدراكًا فذلك فاسد أيضًا عند كثير من أهل النظر لأن الله-عز وجل- إذا لم يخلق عرضًا خلق ما يضاده وإلا لزم تعرى الجواهر من المتضادات ومن الأعراض وعقابها وذلك فاسد.

.270- القول في وقوف الأرض لا على شيء:

اختلف الناس في ذلك.
1- فقال عامة أهل التوحيد: إن الله قادر على إيقاف الأرض لا على شيء وقد أوقفها لا على شيء وهذا قول أبي الهذيل وغيره.
2- وقال قائلون: لا يوصف البارئ بالقدرة على إيقاف الأرض لا على شيء وأن يحركها لا في شيء بل يخلق تحتها في كل وقت جسمًا ثم يعدمه بعد وجوده ثم يخلق مع عدمه جسمًا آخر تقف الأرض عليه ثم كذلك أبدًا لأن الجسم إذا وجد لا حالي لا بد عندهم من أن يكون متحركًا أو ساكنًا ويستحيل أن يتحرك المتحرك إلا عن شيء أو يسكن الساكن إلا على شيء.
3- وقال قائلون: لا يوصف البارئ بالقدرة على إيقافها لا على شيء غير أنه خلق تحت الأرض جسمًا طبعه الصعود وعمله في الصعود كعمل الأرض في الهبوط فلما كافأ ذلك وقفت.
4- وقال بعضهم: لا ولكنه خلق الأرض من جنسين جنس ثقيل وجنس خفيف على الاعتدال فوقفت لذلك.
5- وذكر ابن الراوندي أن طوائف من المنتحلين للتوحيد قالوا: لا يتم التوحيد لموحد إلا بأن يصف البارئ- سبحانه- بالقدرة على الجمع بين الحياة والموت والحركة والسكون وأن يجعل الجسم في مكانين في وقت واحد وأن يجعل الواحد الذي لا ينقسم مائة ألف شيء من غير زيادة وأن يجعل مائة ألف شيء شيئًا واحدًا من غير أن ينقص من ذلك شيئًا ولا يبطله وأنهم وصفوا البارئ- سبحانه- بالقدرة على أن يجعل الدنيا في بيضة والدنيا على كبرها والبيضة على صغرها وبالقدرة على أن يخلق مثله وأن يخلق نفسه وأن يجعل المحدثات قديمة والقديم محدثًا.
وهذا قول لم نسمع به قط ولا نرى أن أحدًا يقوله وإنما دلسه اللعين ليعتقده من لا معرفة له ولا علم عنده.

.271- هل يقدر على خلق جواهر لا أعراض فيها؟

واختلفوا: هل يوصف البارئ بالقدرة على أن يخلق جواهر لا أعراض فيها أم لا؟
1- فقال قائلون: قد يوصف البارئ بالقدرة على أن يوجد جواهر لا أعراض فيها فتوجد ولا تكون فيها أعراض.
2- وقال قائلون: يستحيل أن يوجد البارئ جواهر لا أعراض فيها أو يوصف بالقدرة على ذلك.

.272- هل يقدر على خلق لطيفة لمن علم أنه لا يؤمن لكي يؤمن؟

واختلفوا: هل يوصف البارئ بالقدرة على لطيفة لو فعلها بمن علم أنه لا يؤمن لآمن؟
1- فقال أهل الإثبات جميعًا وبشر بن المعتمر وجعفر بن حرب: إن الله- سبحانه- يقدر على لطيفة لو فعلها بمن علم أنه لا يؤمن لآمن غير أن جعفر بن حرب كان يقول: إنه إن فعلها بمن علم أنه لا يؤمن لم يكو يستحق من الثواب على الإيمان ما يستحقه إذا لم يفعلها به فعرضه الله- سبحانه- بأن لم يفعل ذلك به للمنزلة السنية والأصلح لهم ما فعله الله- سبحانه- بهم ولم يكن بشر يقول: إن الله- سبحانه- لو فعل اللطيفة لم يكن الذي فعل به يستحق من الثواب دون ما يستحق إذا لم يفعلها به ثم رجع جعفر بن حرب عن القول باللطف بعد ذلك فيما حكي عنه.
2- وقال بشر: إن ما يقدر الله عليه من اللطف لا غاية له ولا نهاية وعند الله من اللطف ما هو أصلح مما فعل ولم يفعله ولو فعله بالخلق آمنوا طوعًا لا كرهًا وقد فعل بهم لطفًا يقدرون به على ما كلفهم.
3- وقالت المعتزلة كلها غير بشر بن المعتمر: إنه لا لطف عند الله لو فعله بمن لا يؤمن لآمن ولو كان عنده لطف لو فعله بالكفار لآمنوا ثم لم يفعل بهم ذلك لم يكن مريدًا لمنفعتهم فلم يصفوا ربهم بالقدرة على ذلك تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا.
4- وقال أكثر هؤلاء في جواب من سألهم: (هل يوصف البارئ أنه قادر على أصلح مما فعله عباده؟) إن أردتم أن الله- سبحانه- يقدر على أمثال الذي هو أصلح مما فعله بعباده فالله يقدر من أمثاله على ما لا غاية له ولا نهاية وإن أردتم يقدر على شيء أصلح من هذا قد ادخره عن عباده مع علمه بحاجتهم إليه في إدراك ما كلفم فإن أصلح الأشياء هو الغاية ولا شيء يتوهم وراء الغاية فيقدر عليه أو يعجز عنه لأن ما فعله بهم فهو غاية الصلاح.
وهذا- زعموا- كقول من قال: يقدر الله- سبحانه- أن يخلق صغيرًا أصغر من الجزء الذي لا يتجزأ.
وأجابوا أيضًا بجواب آخر: وهو أنه لا شيء فعله الله- سبحانه- بعبد الله من الصلاح إلا وهو قادر على أصلح منه لزيد ولا صلاح فعله بزيد إلا وهو يقدر على ما هو أصلح منه لمحمد وكذلك كل واحد من عبيده أبدًا.
وزعموا أنه لا يجوز في حكمة الله- سبحانه- أن يدخر عنهم شيئًا أصلح مما فعله بهم لهم وأن أدنى فعله بهم ليس في مقدوره ما هو أصلح لهم منه وليس شيء فعله بهم من الصلاح إلا وهو قادر على مثله أو أمثاله لا غاية لذلك ولا جميع له وأنه قادر على دون ما فعله بهم من الصلاح وعلى ضده من الفساد.
5- وقال بعض من لا يصف الله بالقدرة على لطيفة لو فعلها بمن علم أنه لا يؤمن من الكفار لآمن: قد يوصف القديم بالقدرة على أن يفعل بعباده في باب الدرجات والزيادة من الثواب أكثر مما فعله بهم لأنه لو بقاه أكثر مما يبقى لازداد إلى طاعاته طاعات يكون ثوابه أعظم من ثوابه لما اخترمه فأما ما هو استدعاء إلى فعل الإيمان واستصلاح التكليف فلا يوصف بالقدرة على أصلح مما فعله بهم وهذا قول الجبائي.
وليس يجيز ذلك من وصفنا قوله آنفًا من أصحاب الأصلح أن يكون قادرًا على منزلة يكون عبده أعظم ثوابًا إذا فعلها به ثم لا يفعلها به.
6- وقال عباد: ما وصف البارئ بأنه قادر عليه عالم بفعله وهو لا يفعله فهو جور.
7- وقال إبراهيم النظام: إن ما يقدر الله عليه من اللطف لا غاية له ولا كل وأن ما فعل من اللطف لا شيء أصلح منه إلا أن له عند الله- سبحانه- أمثالًا ولكل مثل مثل ولا يقال يقدر على أصلح مما فعل أن يفعل ولا يقال يقدر على دون ما فعل أن يفعل لأن فعل ما دون نقص ولا يجوز على الله-عز وجل- فعل النقص ولا يقال يقدر على ما هو أصلح لأن الله- سبحانه- لو قدر على ذلك ولم يفعل كان ذلك بخلًا.
8- وقال آخرون أن ما يقدر الله- سبحانه- عليه من اللطف له غاية وكل وجميع وما فعله الله- سبحانه- لا شيء أصلح منه والله يقدر على مثله وعلى ما هو دونه ولا يفعله.
وزعموا أن فعل ما هو دون من الصلاح مع فعل الأصلح من الأشياء فساد وأن الله- سبحانه- لو فعل ما هو دون ومنع ما هو أصلح لكانا جميعًا فسادًا.
وقالوا: لا يقال: يقدر الله- سبحانه- على فعل ما هو أصلح مما فعل لأنه لو قدر على ذلك كان فعل ما هو أصلح أولى والله- سبحانه- لا يدع فعل ما هو أصلح لأنه أولى به ولأنه لم يخلق الخلق لحاجة به إليهم وإنما خلقهم لأن خلقه لهم حكمة وإنما أراد منفعتهم وليس ببخيل تبارك وتعالى فمن ثم لم يجز أن يدع ما هو أصلح ويفعل ما هو دون ذلك غير أنه يقدر على دون ما صنع ومثله لأنه غير عاجز ولو لم يوصف أنه قادر على ذلك لكان يوصف بالعجز وهذا قول أبي الهذيل.
9- وقال أهل الإثبات: ما يقدر الله- سبحانه- عليه من اللطف لا غاية له ولا نهاية ولا لطف يقدر عليه إلا وقد يقدر على ما هو أصلح منه وعلى ما هو دونه وليس كل من كلفه لطف له وإنما لطف للمؤمنين ومن لطف له كان مؤمنًا في حال لطف الله- سبحانه- له لأن الله لا ينفع أحدًا إلا انتفع. وزعموا أن الله- سبحانه- قد كلف قومًا لم يلطف لهم.
وزعموا أن القدرة على الطاعة لطف وأن الطاعة نفسها لطف وأن القرآن والأدلة كلها لطف وخير للمؤمنين وهي عمى وشر وبلاء وخزي على الكافرين.
واعتلوا بقول الله-عز وجل-: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً} [فصلت: 44] وبقوله: {وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} [الزخرف: 33] وبقوله: {فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [البقرة: 64] {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 83] وما أشبه ذلك من آي القرآن.
10- وقال آخرون: ما يقدر الله تعالى عليه من الصلاح له كل وغاية ولا شيء أصلح مما فعل ويقدر على ما هو دونه ولا يقال يقدر على ما هو أصلح مما فعل ولا مثله لأنه لو قدر على مثله- زعموا- لم يكن ما فعل أصلح الأمور وقالوا: لو قدر على ما هو أصلح مما فعل فلم يفعل كان قد بخل وقالوا: لا يجوز أن يأمر العباد بغير ما أمرهم به.
11- وقال آخرون: ما يقدر عليه من الاستصلاح له كل وجميع ولا استصلاح إلا ما فعل أو يفعل ولا يقال يقدر على أصلح مما فعل ولا على مثله ولا على صلاح دون ما فعل لأن الله-عز وجل- لا يدع صلاحًا إلا فعله لأنه ليس ببخيل فيمنع نعمة ويدخر فضيلة وأنه لا يموت العبد إلا ولم يبق له صلاح إلا فعله به.